الخميس، 1 أغسطس 2013

أنفاق باريس.. شاهدٌ على المدينة وسكانها - كبوة سريعة في مترو باريس..- إعداد زينب ترحيني -

أنفاق باريس.. شاهدٌ على المدينة وسكانها


كبوة سريعة في مترو باريس..



كبوة سريعة في مترو باريس..يحصل كلّ شيء تحت الأرض. فستان قصير أو كعب عال أو جينز وحذاء رياضي، لا فرق. كلّه يمشي. كيفما قلبت باريس، فستجدها قابلة للحياة. من فوق أو من تحت الأرض. سلسلة لا تنتهي من الأنفاق تحمل قصصا وحكايا. في محطات المترو إيقاع سريع وموحّد، على الدوام. عجلة لا مهرب منها.
تنزل سيدة أربعينية أدراجاً كثيرة. تقطع تذكرة دخول. تضعها في المكان المخصّص لها، ليُفتح باب صغير أمامها. لم تسحب البطاقة. تركتها مكانها. تتذكّر فتعود أدراجها. يجري كلّ هذا وهاتفها على أذنها. لا تقول شيئاً، فقط تومئ برأسها نزولاً وصعوداً مع عبارتي "وي" و"نو". لا تلحق المترو. عند وصولها إلى الدرج المؤدي إليه، سمعته مغادراً. تمتمت قليلاً على الهاتف منهيةً مكالمتها. لا ركّاب ينتظرون. كلّ من كانوا هنا غادروا باتجاه واحد. أمّا الواصلون فيسيرون في وجهة معاكسة لها. هي نزولاً وهم صعوداً. دقائق ويبدأ الركاب بالالتفاف من حولها. تنطق العاملة بوصول المترو المتجه إلى "أوديون" خلال خمس دقائق. تتجهّز. تقترب من الخطّ المفروض عدم تجاوزه. لا مكان للجلوس في المترو. يصل مكتظاً. في لحظة، بات الجميع أمام أبواب تفتح وتغلق أوتوماتيكياً. وبين دخول وخروج، اصطدامات كثيرة. تسارع السيدة لإيجاد مكان ليدها. لا تشغل بالها بإيجاد مقعد. في حالات كهذه، النعمة في وجود ثغرة للقدمين. تتمسك جيدا بالعمود الحديديّ، وسط المقصورة، وتعود إلى هاتفها. عند التوقف الثاني يخلو أحد المقاعد من خلفها. تجلس لتبدأ ملاطفة سريعة بينها وبين الشاب المجاور لها. لا ينتهي الحديث إلاّ عند التوقف في محطة جديدة. سوياً ينزلان، تاركين مقعدهما لرجلين مسنين. من الباب نحو الدرج ويختفي أثرهما. أمّا آخر ما يظهر من المشهد فهو حمالة صدر زهرية مع قليل من الدانتيل.
في هذه الأنفاق كثير من قصص الحب. ليست خفية على أحد، ولا أصحابها يسعون إلى ذلك. كلّه في العلن وعلى الملأ. يحدث أن تتعثر بحبيبين في الطريق إلى وجهتك. لا مانع من شيء. لك فقط أن تفتح خيالك. بعدها أن تتخطاهما نت دون الالتفات.

طبقات.. في المترو

في الأنفاق ذاتها، يصطف كثيرون أرضاً. رجال ونساء متنوعون يستجدون. يفرش شاب ورقة مكتوبا عليها "أنا جائع". حاني الظهر بانتظار ما قد يهلّ خلال اليوم. يتنوع هؤلاء. يجمع بينهم أنهم يحيون بين كمية هائلة من الأقدام. يعيشون بين سلسلة من الأصوات التي لا تهدأ...
في إحدى المحطات تتوزّع أكثر من سيدة محجبة على أكثر من درج. عباءة سوداء طويلة، حجاب على الرأس، جسم نحيل، وجه خائب وحزين ويد ممدودة معكوفة قليلاً كي تأخذ شكل علبة مغلقة. بين عابر وآخر تلتفت صعوداً. تحدّق في بعض الوجوه لتعود إلى وضعيّتها السابقة. هناك حيث لا ترى إلاّ أقدام العابرين. هؤلاء ينحني بعضهم كي تسقط القطع النقدية في الكفّ مباشرة.
داخل المترو لك ولهم منك نصيب. رجل أو امرأة يدخلان إلى مقصورة المترو. يتنقل واحدهم على كل المقصورات. هنا وقت كثير للتفكير. يقف الرجل أمامك وينتظر. إحدى السيدات تدخل المترو، تقف أمام الراكب مبتسمةً له، وملقيةً التحية بكل اللغات من "بونجور" إلى "هللو" وصولاً إلى "السلام عليكم"... لعلّ وعسى.

لبناني محاضراً..

لا أكثر من اللغة الفرنسية داخل الأنفاق. تكفي المرأة التي تنطق على كل الجبهات. تحكي للركاب عن موعد وصول المترو وتعدّ الدقائق المتبقية والوجهة. لهذا، فأن تسمع داخل الأنفاق لغة عربية، وبالتحديد لهجة لبنانية، سيكون أمراً لافتاً. ينصرف أحدهم لشرح الوضع السياسي في العالم العربي. بصوت عال حادّ وثقة كاملة، يحكي للمرأة التي ترافقه عن الربيع العربي. يتأخّر المترو لسبب تقني. لذا وجب على الجميع الاستماع إليه. بنبرة أعلى ممّا اعتدنا عليها، يرصّ الجمل التالية قرب بعضها: الناس والشعب و"الانتفاد" (بالدال بدلا من الضاد) هيك على السلطة وعلى كل شي ما منيح"، " تعي نتخايل مثلاً انو ما بعرف شو يصير بالعرب، انو هيك منكون مبسوطين؟"، "جدّ جدّ "أدرب" (أضَرَب، أي أفدح. ومن الواضح أن الرجل لديه مشكلة مع الضاد!) شي هيك "يسير" (يصير) بالعالم العربي والله". آخر كلمة كانت الله؟
هنا في هذا العالم، الشاغل الأكبر هو الكتاب. نادراً ترى أحدهم من دون كتاب. في كلّ مكان، لكن يبقى المترو الأكثر احتضاناً. تتنوع الكتب وتكثر. هذا الانغماس في الكتاب، غالباً ما يجعل الركاب يسهون عن محطاتهم. وهكذا يتوجب النزول والعودة أدراجهم إلى الخلف.

لغة واحدة وسرقات كثيرة

تُكثر القنوات الفرنسية من التقارير والأفلام الوثائقية عن سرقات المترو. محترفون منظمون ينشلون الناس. يسرقون بخفّة. تتحدّث شابة فرنسية عن تعرضها للسرقة أربع مرات. في إحداها سُرق الهاتف من على أذنها، أثناء محادثتها مع صديقها. انسل الهاتف من يدها. في مرة سابقة سُرق حاسوبها المحمول مع رسالة الماجستير خاصّتها.
يكاد الموضوع لا يعني الشرطة الفرنسية. تتعاطى معه ببرود. إذا سُرقت داخل المترو وهرب الجاني، فنزولك في المحطة التالية لتقديم بلاغ وإعطاء مواصفات السارق لن يفيد. سيخبرك رجال الشرطة بأن لا صلة تربطهم بالمحطة السابقة. تحاول جاهداً إقناعهم، ولكن عبثا. ينصحونك بالعودة للتفتيش في سلات المهملات، لعلك تجد بقايا محفظة. فعادة، تُرمى المحفظة في مكان قريب بعد أخذ النقود منها. لا نتيجة في حاويات الزبالة. إذاً على المسروق اعادة الكرّة مع الشرطة. نحو نقطة مركزيّة أكثر. هناك يتمّ تحويلك إلى ما هو مركزيّ أكثر. وهكذا حتى تصل إلى مركز الشرطة الوطنية، بعد انقضاء نهار كامل. في المحطة الأخيرة تسجل بلاغاً بمسروقاتك وتعود إلى بيتك خالي الوفاض.

من "تحت" إلى "فوق"

محطات القطارات أمر شبيه بعالم المترو. أقلّ صخباً. لا تخنق، أو لا توحي بالاختناق. فيها نوافذ مفتوحة، وأضواء، وانتظار كثير. في المترو، إن فاتك الأول، فلا همّ، دقائق ويتبعه الثاني. هنا في عالم القطارات، عالم ما فوق الأرض، يتوجّب عليك الانتظار.
مجموعة شبابية، من جنوب فرنسا إلى باريس. يتوجهون في عطلة. ينتظرون قطارهم، لا شيء مثل السجائر يمكنه تمرير الوقت. مع وصوله، ستتكرّر المشاهد. أناس يركضون، يحملون الكثير من الحقائب. يتعثّرون من دون اكتراث، كلّ ما يعنيهم اللحاق بقطارهم.
في القطار السريع المتجه إلى باريس تجلس فتاتان ألمانيتان. جميلتان بوضوح. تتربعان، كلٌّ تغرق في كتابها. تنام إحداهنّ. مع استيقاظها في إحدى المحطات يصل شاب للجلوس في المقعد المقابل لها. تنظر إليه مطوّلاً. تقترب من رفيقتها موشوشةً في أذنها. ينتبه الشاب الذي يشغل نفسه بمجلة. تعدّل هي في جلستها، وتحمل مجلة محاولة أخذ وضعية شبيهة له. تضحك الثانية من المشهد. يلتفت الشاب إليهما ويضحكون معا.
في القطار لا صوت. هذه الضحكات استثناء. الجميع حريص على ألاّ ينزعج أحد. يخرق الصمت طفل بحدود الثانية عشرة من العمر يركض مسرعاً. يبكي ويمسح دموعه ويركض. لم يفهم أحد ما حصل. المرجح هو نسيانه النزول في المحطة اللازمة. وهكذا وجد نفسه متجها إلى نقطة لا يريدها.
يحدث أحياناً أن تسمع أخبار الناس. زوجان ذاهبان في رحلة إلى باريس، يقرران تذكر كل ما مرّ في حياتهما. بصوت عال. وهكذا رحلة الساعات الست تمتلئ قصصاً عنهما.
هنا ليست حياة ثانية. هنا "استكمال" لحياة تجري في باريس فوق الأرض.

(باريس)

0 التعليقات:

إرسال تعليق